عماد الدين خليل

109

المستشرقون والسيرة النبوية

السفلى من السلّم الاجتماعي بل من أولئك الذين كانوا في الوسط وأدركوا الفرق بينهم وبين أصحاب الامتيازات في الذروة ، فأخذوا يقنعون أنفسهم بأنهم أقلّ امتيازا منهم ، فنشأ صراع ليس بين ( الملّاكين ) و ( المعوزين ) بل بين الملّاكين والذين هم أقلّ منهم » « 1 » . لا ريب أنّ اعتماد ( المقاييس المادية ) لفحص الدوافع التي قادت المسلمين وغير المسلمين للانتماء إلى الدين أو إلى أيّة عقيدة أو دين ، أمر يرفضه واقع ( التجربة ) في أبعادها الشاملة الرحبة ، فلم يكن البحث عن ( الحق ) والتشبث في الانتماء إليه أمر معدة تبحث عن طعامها ، وجسد يرنو إلى الإشباع ، بقدر ما هو مسألة نفسيّة معقّدة يلعب فيها الظمأ الروحي واليقين الفكري والقناعة الذاتية دورها الحاسم ؛ بحيث إن سائر الأمور الآخرى ، الحسّية والجسدية تظلّ ( ثانوية ) بالنسبة لهذه الدوافع الأساسية . هذا على المستوى الذاتي ، أما على المستوى التاريخي ، فإن هذا المقياس يتعرّض للتهافت - كذلك - بمجرد إلقاء نظرة متأنية على قوائم المسلمين الأول الذين كان أكثرهم - كما يقول صالح عليّ - من التجّار ورجال الطبقة الوسطى ، وممن كانت لهم عشائر تحميهم وتدفع عنهم . بل حتى وجود الحلفاء والمستضعفين في الإسلام لا ينهض دليلا على صحّة هذا الرأي ؛ إذ إن هؤلاء نالوا كثيرا من الاضطهاد بسبب عقائدهم ، ومنوا بكثير من الآمال إذا تركوا الإسلام ، فرفضوا وأصرّوا على التمسّك بالدين الجديد ، مما يدل على أن دافع العقيدة هو الذي كان يدفعهم إلى اعتناق الإسلام . . والواقع أن الروايات أشارت صراحة إلى دوافع بعضهم ، فعثمان بن مظعون كان من قبل ظهور الإسلام من الباحثين عن الدين ، وسعيد بن زيد بن عمرو هو ابن الرجل الذي كان حنيفا يبحث عن دين إبراهيم ، وخالد بن سعيد بن العاص دان بالإسلام ؛ لأنه رأى نفسه في

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 160 .